تقول الأستاذة سلمى عبده: بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ابنتي الغالية ليلى
لكم تكون سعادتي غامرة حين تصلني رسالة من إحدى بناتي في هذه الأرض الحبيبة الولادة، وخاصة حين تحمل بين سطورها ما يطمئن النفس ويثلج الصدر. فبرغم قصر رسالتك إلا أنها تنم عن روحك الطيبة، ومشاعرك الجميلة الحية، ورغبتك في إرضاء الله عز وجل، وحرصك على إيمانك أن تشوبه شائبة.. أسأل الله أن يثبتك ويرزقك الصلاح والهدى. ابنتي الحبيبة...
بداية .. دعينا نتفق على أن الميل والإعجاب المتبادل بين الفتى والفتاة أمر فطري، أودعه الله عز وجل في القلوب، وجعله سببا لاستمرار الحياة على وجه الأرض، إلا أنه سبحانه وتعالى وضع له ضوابط وحدودا حتى لا تفسد الأرض بدلا من إعمارها. وجعل الله الإطار الوحيد لترجمة هذه المشاعر إطار الزواج، وإلى أن يأتي ميعاده علينا أن نضبط أنفسنا بضوابط شرع الله من غض للبصر والتزام بحدود الله، حتى لا يوقعنا الشيطان بسهامه، فنتبع خطواته اللعينة. وأحمد لكِ تعقلك وحكمتك وسيطرتك على مشاعرك، فاعلمي يا ابنتي أنه إن صدق حدسك وكان هناك ميل وشعور متبادل من هذا الشاب تجاهك، فالأمر الطبيعي أنه سيبادر هو بالخطوة التالية، وعندها عليك ألا تعتمدي في حكمك على مشاعرك وحدها، ولكن أفسحي لعقلك مكانا، ليكون اختيارك صحيحا وعلى هدى. واسمحي لي الآن يا ابنتي أن ألفت انتباهك لبعض الأمور:
أولا: أن معظم من يعانون من محنة الحب من طرف واحد، يعولون كثيرا على مسألة النظرات الصامتة، ويحملونها ويحملون كل اللفتات العابرة التي قد تصدر عفوا من الطرف الآخر أكثر مما تحتمل، ويتلمسون غالبا في أبسط اللفتات ما يطمئن قلوبهم أن هناك اتصالا ما يجمعهم بمن يميلون إليه.. فانتبهي لذلك . ثانيا: أن الإنسان أحيانا إذا تمنى شيئا بدا له من شدة حرصه عليه وكأنه غاية الكون نفسه. فيجعله محور حياته ويتعذب به. ولو أنه قال لنفسه: وما أدراني أنني كنت سأسعد به، فلربما كان باب شقاء سيفتح أمامي؟ .. عندها سيعطي لنفسه الفرصة أن ينظر إلى الأمور بموضوعية، فيبصر السلبيات والايجابيات، ويحدد أمره على بصيرة. وأخيرا اعلمي أنه من توجه إلى الله صادقا يسأله العفاف لم يخذله الله أبدا، فاسألي الله الهدى والتقى والعفاف والغنى وكوني موقنة بالإجابة. ويضيف الأستاذ فتحي عبد الستار: أختي الفاضلة...
تحياتي لكِ، ولحرصك على تمسكك بدينك، أما بالنسبة لمشكلة تحرُّك القلب نحو زميلك، فلا إثم عليك إلا من الأسباب التي قد تكون أدَّت بك إلى ذلك، من نظرةٍ محرَّمة، أو حديثٍ غير منضبط، أو غير ذلك، فالمرء لا يملك قلبه، ولكنَّه يملك فعله، وهذا بالضبط ما فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه حين كان يعدل بينهنَّ في الفعل، ويعتذر عن الميل القلبيِّ لأنَّه لا يملكه. وقال صلى الله عليه وسلم معتذراً لربِّه تعالى: "اللهمَّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"رواه أبو داود والترمذيُّ والحاكم بسندٍ صحيح، وقال أبو داود: يعني القلب. وأوَّل شيءٍ يجب أن تفعليه بعد استحضار نيَّتك، واحتساب الأجر عند الله عزَّ وجلّ، الجلوس مع نفسك جلسةً هادئة، لتشخيص شعورك تجاه هذا الشابِّ تشخيصاً دقيقا، فإنَّنا كثيراً ما نخلط بين الاحتياج النفسيّ، والإعجاب، والحبّ، وغير ذلك، وإن كان بعضها يستتبع بعضا. فإن كان الأمر مجرَّد إعجابٍ قلبيٍّ فحاولي ألا يتجاوز الأمر ذلك، وتبتعدي عن كلِّ ما قد يحوِّل هذا الإعجاب إلى فعل. أما إذا كان حبا حقيقيا، فلابد وأن تنتظري تصريحا علنيا من الطرف الآخر، لأن العلاج الوحيد في ميلاد المشاعر بين قلبين هو الزواج، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "لم نر للمتحابَّيْن مثل النكاح"رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح. وإذا لم تجدي تصريحا مباشراً من الطرف الآخر، فلا تبني بيوتا من الأوهام، وتعتقدي أن الطرف الآخر يتودد إليكِ.. وتابعينا بأخبارك، ولا تنسينا من صالح دعائك. ويضيف الأستاذ مسعود صبري
أختنا الفاضلة ليلى ...
لا يمكننا أبدا أن نتهم مشاعرك ونهاجم ما وصفتيه من أحاسيس لاسيما وقد أخبرت عن نفسك – نحسبك كذلك- بأنك فتاة تخشى الله تعالى، و تحجب نفسها عن الممارسات الخاطئة مع شاب يسير على نفس الطريق، بل هو في اعتقادنا شيء فطري من حيث المبدأ، لكن يجب أن يوضع في إطاره الذي لا يجعله يحيد عن هذه العفة والطهارة التي جعلتموها دستورا في معاملتكما سويا، فالطريق الصحيح هو البحث عن الارتباط المشروع إن كان ممكنا، بالنظر إلى الأوضاع الاجتماعية لكل منكما، وللأسرتين معا، فتنتقل العاطفة من عاطفة خاصة إلى إطار يمكن أن يندرج تحته هذه المشاعر على أسس من الشرع الحكيم، والتزام ما أمر الله تعالى به، والابتعاد عما نهى عنه.
وقتها يمكن الرجوع إلى الإطار الخاص من العاطفة والحب بينكما، أما أن يكون هذا الحب في الهواء، لا مسكن له، فهو مهدد بالتشريد والخطر، بل الواجب البحث عن مأوى لهذا الحب الشريف .
وفي ظني، فإن الناس في هذه العلاقة فريقان، فريق يميل إلى الانفتاح الحر، أو ما يمكن أن أسميه " الانفتاح الانحلالي"، وبين الإغلاق المتشدد، أو ما يمكن أن أسميه "الإغلاق الإرهابي"، والضابط في هذا أن نعود إلى قراءة العلاقة بين الجنسين في العصر الأول في صدر الإسلام، لأن هذا هو عصر الوحي، وهو أقرب إلى الصواب، وهذا يجعلنا نفهم كثيرا من علاقاتنا مع وضعها في إطار المراقبة لله سبحانه وتعالى، وإدراك المسلم – والمسلمة – أن كل إنسان محاسب أمام ربه سبحانه وتعالى :" وكلهم آتيه يوم القيامة فردا".
والذي أفهمه من صورة الصدر الأول أنه كان مجتمعا منفتحا بانضباط، فلم يكن للرجال مكان، وللنساء مكان، بل كان الاشتراك بين الجنسين بارزا تحوطه العفة والتقوى، ففي المسجد رجال ونساء، وفي السوق رجال ونساء، وفي الحرب وقتال العدو رجال ونساء، وفي دروس العلم رجال ونساء، وتتكلم المرأة للرسول صلى الله عليه وسلم أمام الرجال، كأسماء بيت يزيد الأنصارية، والتي أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بفصاحتها، وأشاد بها أمام الرجال، ولقبت فيما بعد بـ "خطيبة النساء".
وحديث الصحابة للصحابيات مدون في كتب السنة، كما حدث مع أبي السنابك حين قال لامرأة مات زوجها وتزينت" أتزينت للخطاب؟" فاشتكته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، وغيرها من المشاركات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بل والدينية أيضا.
وهذا يعني أن التعارف بين الجنسين في الإسلام له مساراته الطبيعية دون تعمد أو قصد، بل تكون بالملاحظة والمعرفة العامة، وبعد المعرفة من خلال هذه الوسائل يمكن للشاب أن يكون قد تعرف على الفتاة، وتتعرف الفتاة على الشاب في جو نظيف، فإن عرف الشاب الفتاة في هذا الإطار العام، ورأى إعجابا في نفسه تجاه فتاة، فلتكن الخطوة القادمة هي التقدم للفتاة، ثم يأخذ الأمر مساره الطبيعي من الخطبة والعقد وغيرها من خطوات الزواج الرسمي.
هذا بشكل عام، أما في حالتك، فأنتما تجمعكما مشاركات من خلال العمل الدعوي وغيره، فهذا لا يمنع الحديث مادام في الإطار العام الذي تغلفه تقوى الله سبحانه وتعالى، أما القول بأن هذا قد يكون مفسدة، فهذا أمر يختلف من شخص لآخر، وقصد الإنسان من الفعل من أهم الأمور التي تجعلنا نحكم على سلوكه وتصرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إنما الأعمال بالنية "، ونحن لا نتحدث عن إطار تعارف وصداقة، وإنما نتحدث عن إطار زواج، فإن تم التعارف من خلال اللقاءات العامة، فإما أن يتقدم هذا الشاب لك، وإما أن تصرفي نظرك عن هذا الأمر، لأنه أصبح خارج إطاره المسموح له شرعا .
و هناك من المساحات الشرعية التي تجعل الفتاة تنبئ بموافقتها وموقفها تجاه هذا الشاب، وهذا ما حدث من خديجة – رضي الله عنها -، فربما يكون هناك تخوف من الشاب من التقدم .
ولكن مع كل هذا يجب معرفة الظروف الاجتماعية التي قد تسمح بالارتباط الآن أم عدمه، وهل هذا الشعور في وقته أم أنه من الأفضل أن يكون هناك اهتمام مقصور على الدراسة والتفوق مع أخذ معرفة عابرة عن الشاب كلما سنحت الفرصة، دون أن نكن في قلوبنا شيئا تجاهه، حتى إن لم يتم نصيب بينكما لا تكون هناك مرارة الحب وألمه، وغيرها من المشاعر التي قد تؤثر في سلوك الناس، ولعل الرجوع إلى ما كتبه الإمام ابن القيم في كتابه" روضة المحبين " يساعد على تفاهم طبيعة العاطفة.
لكن الأمر حتى الآن بينكما لا يعدو مجرد إعجاب بين اثنين، حسب ظنك أنت، فلا تضخمي الأمر، ولا تهونيه، وتعاملي معه بروح الواقع، والرغبة في شخص صالح، مع الالتزام بالإطار الشرعي المناسب، وألا نحرم ما لم يحرمه الله تعالى علينا، وأن نفرق بين الأعراف والتقاليد التي تحكمنا، وبين الأحكام الشرعية الملزمة لنا، وأن تكون هي الحاكمة، مع مراعاة العرف كلما أمكن هذا، إن لم يكن هناك تصادم بين العرف والشرع، فإن وجد، فالشرع مقدم على العرف قطعا، فإنما نتعبد لله بما شرع لنا هو سبحانه، لا بما شرع لنا آباؤنا وأجدادنا .
سدد الله خطاك، ويسر لك أمرك وجمعك على الخير بمن تحبين، وتابعينا بأخبارك.
|