الرئيسية      |      من نحن        |       تاريخ المطرية       |      اتصل بنا 

أبواب الموقع
أخبــــــــار المطرية
بحيــــرة المنزلــة
الشباب والرياضة
الأسرة المسلمة
سياسة واقتصاد
مشـــاهير وأعلام
حــــــــــــــــــوارات
دين ودعـــــــــــوة
نحو مجتمع أفضل
دورات تدريبـــــــية
الـــــرأي الـحـــــــر
صحتــــــــــــــــــــك
وظائف خـــــــــالية
مشـــاكل وحـلول
مشاركـــات مطراوية
المكتبـــــــــــــــــــة
الـرأي الحـــــــــر
مواقـــــع تهــــمك
 

خدمات الموقع

دليـــــــل التليفون

الجداول الانتخابية
فاتـــــورة التليفون
مواعيد المواصلات
مواقــــــع الصحف
خدمات الحكـــومة المصريـــــــــــــة
فضــائيـــــــــــــات
كمبيوتر وانترنـــت
عـــالم الموبيـــــل
عناوين النقابات
 

خدمــــــات مصرية

قيد ميلاد
بدل فاقد لرقم قومى
خدمات الممولين
رخص المركبات
مخالفات المركبات
الكهرباء للشركات
التعريفة الجمركية
تنسيق الجامعات
خدمات المصدرين
خدمات الضرائب
ضريبة المبيعات
البوابة القانونية
منازعات الاستثمار
خدمات البيئة
المناطق الصناعية
المفقودات

أضف إيميلك للقائمة البريدية

قواعد في تقويم الأشخاص والجماعات

قواعد في تقويم الأشخاص والجماعات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين لسنته إلى يوم الدين  وبعد :
فلقد أسس أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مجتمعا إيمانيا صالحا محافظا على دعوة الله تعالى، فأقاموا العدل في أنفسهم وأهليهم وأوطانهم، وكانوا محافظين على حقوقهم، فلا ظلم ولا غيبة ولا بهتان.
كما حفظوا حقوق الشرع فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. فكان ذلك المجتمع ملتزما بأحكام الإسلام.
وقد سار علماء أهل السنة والجماعة في أنفسهم وأتباعهم على عمل الصحابة فكان ميزانهم العدل، يحكّمون الشرع فيما بينهم، فهو الميزان الذي توزن به الأقوال   والأفعال والحركات والسكنات، فحفظ الله بذلك الدين من غلوّ الغالين وانتحال المبطلين.
ولقد كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينصح بعضهم بعضا ويصحّح بعضهم لبعض، حتى إنّ الرجل من عامّة المسلمين يقوم إلى وليّ الأمر ويقول له لا سمع لك ولا طاعة حتى يستفسر عن أمر معيّن.
ولقد كان من نهج العلماء بعد ذلك أن يقوموا بالتصحيح لبعضهم البعض دون تخوّف أو إنكار أو استكبار، واستمرّ هذا الأمر كذلك حتى جاء فريق بفكر جديد غريب، ( شبيه بفكر الخوارج)، إذ تناسى هؤلاء أنّ أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وقع الخلاف بينهم مع محافظتهم على صحّة الاعتقاد، ولكن هذا الفريق لا يريد أن يكون هناك اجتهاد بين العلماء، وإنّما يريد أن يجمع الناس على أمر واحد ورأي واحد، وهو لا شكّ محال.
والأصل ألاّ نتسامح في مسائل الاعتقاد المعلومة من الدين بالضرورة، خلافا للفروع، كما ينبغي حمل الناس على الاعتقاد الصحيح عن طريق التربية والتعليم، مع الإقرار بوقوع الاختلاف في مسائل الاجتهاد ومحاولة التصحيح بغير عنف ولا جفاء، ومع عدم تأثير الخلاف في مسيرة الدعوة وفي بناء المجتمع الإسلامي.
ونظرا لتعصّب البعض واتهامهم لإخوانهم العاملين في الميدان بتهم باطلة مجحفة بحقوقهم، وجب علينا أن نضع بعض القواعد والأسس ليتمّ الحكم على أساسها، وستكون هذه القواعد وفقا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وهدى السلف الصالح وأقوال الأئمّة الأثبات.
أولا : أدب التعامل مع المخالف
إنّ من الأصول المتفق عليها بين أهل السنة والجماعة إذا كان هناك اختلاف في العلم والاجتهاد وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل لا بجهل وظلم، فإنّ العدل واجب على كلّ أحد من الناس في كلّ حال، والظلم محرّم مطلقا ولا يباح بحال. قال تعالى: } ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب  للتقوى{ [المائدة: 8].
وهذه الآية نزلت بسبب بغض الصحابة (رضوان الله عليهم) للكفار مع أنّه بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به يشتمل على نهي لصاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض المسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس، فهو أحقّ ألاّ يظلم، بل يعدل عليه ([1]).
ومما يلاحظ أنّ البعض يتجرأ في بعض الأحيان فيطلق الأحكام جزافا بلا ورع أو تثبّت فيجرِّح ويعدّل ويخطّئ ويصوّب قبل أن يستوعب الأمر ويقوم بدراسته، ولهذا يغلب على أحكامه الجور وعدم العدل، وينسى هؤلاء قول اله تعالى: }ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد { [ق: 18].
ثانيا : أهمية التجرد والابتعاد عن الهوى
إنّ تقويم أيّ رجل أو مؤلف أو جماعة لا يمكن أن يكون وفق خلفيات مبيّتة أو رواسب سابقة تجعل الإنسان يحيد عن الحق ولا يرى أمام عينيه إلاّ الهفوات والزلات فيعطيها أكثر مما تستحقّ من النقد والتجريح. ولذلك كان التجرّد في التقويم من أسباب صواب الحكم. قال تعالى: } يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا{ [النساء: 135].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( رحمه الله ):“ وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمّه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله. بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل من يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أنّ الذي يرضى له ويغضب له أنّه السنة، وأنّه الحق، وهو الدين، فإذا قدر أنّ الذي معه هو الحقّ المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظّم هو ويثنى عليه أو فعل ذلك شجاعة وطبعا، أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهدا في سبيل الله. فكيف إذا كان الذي يدّعي الحقّ والسنّة هو كنظيره، معه حقّ وباطل، وسنّة وبدعة، ومع خصمه حقّ وباطل وسنّة وبدعة ؟!” ([2]
ثالثا : الخوف من الله عزّ وجلّ عند الكلام في الآخرين
فإنّ الله تعالى حرّم الغيبة فقال ربنا سبحانه: }ولا يغتب بعضكم بعضا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه  { [الحجرات: 12].
وقد فسّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الغيبة في حديثه الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال:“ أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهّته ”([3]).
بل جاءت الأحاديث بما هو أشدّ من ذلك، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:“ الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل إتيان الرجل أمّه، وإنّ أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه ”([4]).
وقال البخاري:“ أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنّي اغتبت أحدا ”.
قال الذهبي:“ صدق رحمه الله، ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعّفه …. حتى إنّه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متّهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أنّي اغتبت أحدا، وهذا والله غاية الورع ”([5]).
والخطر العظيم حينما يكون الدافع للغيبة ليس هو الإخلاص والنصح لله ولرسوله وللمؤمنين، وإنّما يكون بدافع هوى خفيّ أو جليّ أو حسد وكراهية للمغتاب.
فلنتذكّر أننا محاسبون أمام الله عزّ وجلّ يوم القيامة، فماذا سيقول المغتاب لله عزّ وجلّ ؟([6])
رابعا : معرفة الرجال بالحقّ
فنجد أحينا بعض الناس يدور في فلك شيخه فلا ينظر إلاّ بمنظوره ولا يسمع بعد قوله قولا حتى وإن كان بالحجّة والبرهان، فالحقّ المطلق هو ما قاله شيخه وإن خالف الدليل، والباطل ما خالف قول شيخه ولو دلّ عليه الدليل، وكأنّ هذا الشيخ شيخ معصوم لا يخطئ!! ومن هنا يصبح فكر هذا الإنسان أسيرا لشيخه فلا يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ، بل لا يجد في نفسه القدرة على التأمّل والنظر وإن كان فيه بقية من فكر فهو مسخّر لتحليل أقوال شيخه ودراستها، فما يكاد ينطلق منها حتى يرجع إليها، فمنها البدء وإليها المنتهى. فهؤلاء يعرفون الحقّ بالرجال فيتعصّبون لهم ويجعلونهم حجّة في كلّ كبيرة وصغيرة .
يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله):“ اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه ولا إلى نصوص الشارع إلاّ إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي اجتمعت الأمّة على أنّه محرّم في دين الله، ولم يظهر في الأمّة إلاّ بعد انقراض القرون الفاضلة ”([7]).
خامسا : المنهج الصحيح في الحبّ والبغض
إنّ الحبّ والولاء بإطلاق لا يكون إلاّ للمؤمنين، كما أنّ البغض والبراء بإطلاق لا يكون إلاّ للكافرين، فالحبّ والبغض من أوثق عرى الإيمان.
ومن العجيب أن نجد طائفة من الناس يبغضون جماعة معيّنة أو عالما بعينه بغضا مطلقا، مع أنّ الله تبارك وتعالى جعل بابا للتوبة مفتوحا حتى لمن خلط عملا صالحا بعمل سيئ: }وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إنّ الله غفور رحيم  { [التوبة: 102].
فمن أخطأ أو زلّ فلا يبغض بإطلاق كما فعلت الخوارج، كما لا يمدح بإطلاق كما فعلت المرجئة، وإنّما دين الله وسط بين الإفراط والتفريط.
يقول الإمام ابن تيمية (رحمه الله):“ وإنّه كثير ما يجتمع في الفعل الواحد أو في الشخص الواحد الأمران: فالذمّ والنهي والعقاب قد يتوجّه إلى ما تضمّنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجّه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمّنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية الفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية، فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان”([8]).
ويقول في موضع آخر:“ ومن سلك طريق الاعتدال، عظّم من يستحقّ التعظيم، وأحبّه ووالاه وأعطى الحقّ حقّه، فيعظّم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذمّ، ويثاب ويعاقب، ويحبّ من وجه، ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم…”([9]).
ولا ينبغي بناء الحبّ على موافقة الآخرين لهم في الرأي، أو لأنّ فلانا من جماعتهم، كما لا ينبغي بناء البغض على مخالفة الآخرين لهم في الرأي والاجتهاد، أو لأنّ فلانا ليس من جماعتهم، فهذا إن تمّ فهو دليل على اختلال الإيمان، وإنّما المقياس هو كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وفهم السلف الصالح وعملهم([10]).
سادسا : كلّ بني آدم خطاء
إنّ الخطأ صفة لازمة للبشر جميعا لا ينجو منها أحد إلاّ من عصمه الله تعالى من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولكنّ بعض المبتدعة يقرن بين ملازمة الإثم والخطأ، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، فإنّهم يرون أنّ المجتهد المخطئ مأجور غير مأزور لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:“ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ”([11]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله):“ فأما الصديقون، والشهداء؛   والصالحون: فليسوا بمعصومين. وهذا في الذنوب المحققة. وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطؤوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون  الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم؛ ويقولون: إنهم معصومون. وتارة يجفون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم  والإيمان لا يعصمون. ولا يؤثمون ”.([12]).
ويقول الآمدي (رحمه الله):“ اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط  عن المجتهدين في الأحكام الشرعية وذهب بشر المريسي، وابن علية وأبو بكر الأصمّ ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين وعليه دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق، وحجة أهل الحق في ذلك ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك وعلم علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم ولم يصدر من أحد منهم نكير ولا تأثيم لأحد لا على سبيل الإبهام ولا التعيين مع علمنا بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنا والقتل لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه ”([13]).
سابعا : النظر في حال الجارح
إنّ الأصل في الحكم دائما هو الأدلّة والبراهين من الكتاب والسنة. وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه بقوله تعالى:} يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين  {[ الحجرات: 6].
فقد يحصل اختلاف في الرأي والاجتهاد يكون سببا لوقوع طائفة من الطوائف في غيرها بدون عدل أو تأنّ، حتى إنّ هذه الطائفة قد تصف غيرها بأوصاف تعلم يقينا بأنّ الأخرى بريئة منها، ولكن حبّ الذات، والانتصار للنفس يذكي فيها روح الغيرة والاعتداء.
ولهذا فإنّ من العدل أن ننظر إلى الخلفيات التي بنيت عليها الأحكام، ومن ثمّ توزن بما يقتضيه الحال من التحرّي والإنصاف، فلا يتّهم أحد بما ليس فيه. وفي ذلك يقول الإمام ابن جرير الطبري (رحمه الله):“ لو أنّ كلّ من ادّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادّعي به وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدّثي الأمصار لأنّه ما منهم إلاّ وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه ”([14]).
ويقول أبو عمر ابن عبد البر القرطبي (رحمه الله):“ هذا باب غلط فيه كثير من الناس وضلّت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب: أنّ من صحّت عدالته وثبت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلاّ أن تأتي في جرحه ببيّنة عادلة تصحّ بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر. وأمّا من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحّت لعدم الحفظ والإتقان روايته: فإنّه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه. والدليل على أنّه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد الطاعنين: أنّ السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن دينار، وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل ممّا لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجّة توجبه ”([15]).
ويقول الإمام السبكي (رحمه الله):“ بل الصواب عندنا: أنّ من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكّوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالّة على سبب جرحه، من تعصّب مذهبي وغيره، فإنّا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة، وإلاّ لو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمّة، إذ ما من إمام إلاّ وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون ”([16]).
ثامنا : الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات
إنّ من العجيب أن ينكر طالب من طلاب العلم قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، وهي قاعدة الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات، أو الموازنة بين المحاسن والمساوئ، فيقول:“ هذه القاعدة لا علم لها أصلا من كتاب ولا سنّة، وليست منهجا لأهل الجرح والتعديل ولا أثرت عن سلف الأمّة رضوان الله عليهم ولا قال بها أحد من أهل العلم المعاصرين الأجلاّء ”([17]).
وهذا شطط وقول بغير علم، ولا حرج إن أحدهم يجهل هذه المسألة أن يقول: لا أعلم أو الله أعلم. أمّا أن يفتي بغير علم فتلك هي المصيبة والطامة.
لقد ذكرنا من قبل أنّ الإنسان مهما كانت منزلته معرّض للصواب والخطأ ـ عدا من عصمهم الله تعالى من الأنبياء والمرسلين ـ فكيف يجوز لنا أن نطرح جميع اجتهاداته لقول قاله؟ فالأصل أن ننظر إلى أقواله الموافقة للحق ونلتزم بها، ونعرض عن أخطائه، فالموازنة بين الإيجابيات والسلبيات أو بين المحاسن والمساوئ هو عين العدل.
وللأمثلة على ذلك، نذكر أولا قوله تعالى: } ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلاّ ما دمت عليه قائما{ [آل عمران: 75]. فالله جلّ وعلا يذمّ اليهود من حيث العموم، ولكنه سبحانه في الوقت ذاته يبيّن أنّ بعضهم يلتزم بأداء الأمانة ولا يخونها، ولهذا قال تعالى: } ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى  { [المائدة: 8].
ومن سنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال:“ كان الناس يسألون رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن  يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر … ”([18]).
فقد أثبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخيرية لقوم هذا الزمان مع وجود الدخن بينهم ويفهم من ذلك أنّ العبرة بكثرة المحاسن.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي  صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي  صلى الله عليه وسلم  قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجُلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي  صلى الله عليه وسلم:“ لا تلعنوه  فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ”([19]).
فهذا الصحابي الجليل تكرّر جلده بسبب شربه للخمر، ولكن هذا لا يعني فساده بالكلية، وإنّما ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حسناته ما يحمد عليه وما يوجب محبّته([20]).
أمّا من أقوال أهل العلم فسنكتفي بقول للإمام ابن تيمية (رحمه الله) خشية الإطالة إذ يقول:“ ومما يتعلّق بهذا الباب أن يعلم أنّ الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظنّ ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظّمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمّه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنّة، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان. وكلا هذين الطرفين فاسد. والخوارج والروافض وغيرهم من أهل الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا. ومن سلك طريق الاعتدال، عظّم من يستحقّ التعظيم، وأحبّه وولاه وأعطى الحقّ حقّه، فيعظّم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذمّ، ويثاب ويعاقب، ويُحَبّ من وجه، ويُبغَض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم …”([21]).
فهل علم هؤلاء رأي أهل السنة والجماعة في الموازنة بين المحاسن      والمساوئ؟ أم أنّهم يُصرّون على مخالفة الكتاب والسنة وأهل العلم الأثبات ويتبعون مذهب الخوارج والمعتزلة؟
وإني سائلهم: أهم من الذين عصمهم الله تعالى أم أنّهم من البشر الخطائين ؟ وإن كانوا من البشر فهل لهم سيئات أم لا ؟ وإذا كانت لهم سيئات أوَمن الأولى بناء على مذهبهم الفاسد أن تُذكر سيئاتهم ونُشَهر بهم بسببها ونَغُضّ الطرف عن محاسنهم ؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
                       د/السيد أحمد العاصي
             جامعة أفريقيا العالة


([1])   انظر: منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية 5/126، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1406هـ ـ 1986م، بدون رقم ط . السعودية.
(2)   منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية 5/256 .
(3)   رواه مسلم: 4/2001. كتاب البر والصلة والآداب/ باب: تحريم الغيبة، حديث رقم (2589 ).
(4)   رواه الطبراني في الأوسط 4/488 . وصححه الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني برقم 1871، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي.
([5])   انظر: سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي 12/439. تحقيق:     نذير حمدان وآخرين وتخريج الشيخ شعيب الأرناؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 1401هـ ـ 1981م.
([6])   انظر: منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين، إعداد: هشام بن إسماعيل الصيني، ص: 17 وما بعدها، المنتدى الإسلامي، الطبعة الثانية 1419هـ ـ 1998م.
([7])   أعلام الموقعين عن ربّ العالمين للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر (ابن القيم) 1/490، إشراف مكتب البحوث والدراسات، باعتناء صدقي محمد جميل العطار، دار الفكر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 1417هـ /1997م.
([8])   مجموع الفتاوى للإمام تقي الدين ابن تيمية 10/366، تنفيذ مكتبة النهضة الحديثة عبد الشكور عبد الفتاح فدا، طبعة إدارة المساحة العسكرية بالقاهرة بتاريخ 1404هـ (بدون رقم الطبعة).
([9])   منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، 4/543.
([10]) انظر: منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين، هشام بن إسماعيل الصيني، ص: 39 .
([11])  البخاري، فتح الباري 13/318. كتاب الاعتصام بالسنة/ باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (7352)، بتحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز وخدمة محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بدون رقم الطبعة والتاريخ. ومسلم في 3/1342. كتاب الأقضية/ باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (1716)، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان ـ دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وخدمة محمد فؤاد عبد الباقي.
([12]) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 35/69 .
([13]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي)، 4/244، مطبعة محمد علي صبيح 1387هـ 1968م ( بدون رقم الطبعة).
([14]) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص: 428 .
([15]) جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله: لأبي عمر يوسف بن عبد البر 2/152، دار الفكر، بيروت (بدون رقم الطبعة وتاريخها).
([16]) طبقات الشافعية الكبرى لأبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي 2/9 ، بتحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه (بدون رقم ط والتاريخ ).
([17]) فتنة التكفير والحاكمية لمحمد بن عبد الله الحسين ص: 56 ، وانظر: الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية: أحمد بن يحيى النجمي ص: 19 ، جمع وتعليق حسن بن محمد بن منصور الدغريري. دار الآثار ـ صنعاء ـ اليمن، الطبعة الأولى 1421هـ 2000م ، وانظر: الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة للفوزان ص: 13 .
([18]) جزء من حديث أخرجه البخاري، فتح الباري 6/615 ـ 616 . كتاب المناقب/ باب: علامات النبوة في الإسلام رقم 3606، وفي الفتن/ باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة رقم 7084. ومسلم 3/1475 في كتاب الإمارة/ باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين رقم 1847 .
([19]) البخاري فتح الباري 12/75 كتاب الحدود/ ما يكره من لعن شارب الخمر وأنّه ليس بخارج من     الملّة رقم 6780 .
([20]) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 3/151 ـ 152 .
([21]) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، 4/543 ـ 544 .
 

اقرأ أيضاً

 
 
- بيان من اخوان المطرية لشعب المطرية
- ذكريات اخت الشهيد احمد فياض مع الشهيد
- استشهاد أحمد فياض هل سيكون بداية لمطالبة الصيادين بحقوقهم
- رُبَّ أشعث أغبر
- منزلة الحديث
- علوم قرآن - الحلقة الاولى
- أمرٌ سبقنا إليه غيرنا
- علم مصطلح الحديث - الجزء الأول
 

جميع الحقوق محفوظة © مطرية أون لاين  2008 - 2006